الشيخ محمد رشيد رضا
331
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 29 : 5 ) فالرعد ( 12 : 8 و 28 ) وفيها أجوبة أخرى فأما الانعام ففيها تفصيل لكون الآيات لا تزيدهم إلا عنادا واصرارا على الجحود فتحق عليهم كلمة عذاب الاستئصال ، وتنافي مراد اللّه تعالى من بعثة خاتم النبيين ، وتقدم تفسيرها في الجزءين 7 و 8 من تفسيرنا هذا فيراجع ، ثم أجمل ذلك في سورة الأنبياء فقال ( ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) ثم أجاب عنها في سورة العنكبوت بقوله ( أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ؟ ) لكنه كان قد فصل مقترحاتهم مع الرد عليها في السور التي أنزلت قبل ذلك كله كقوله تعالى في سورة الفرقان ( 25 : 7 وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 8 ) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ؟ ) ثم حكى عنهم في سورة بني إسرائيل ( 17 ) انهم طالبوه صلّى اللّه عليه وسلّم بواحدة من بضع آيات وعلقوا إيمانهم على إجابة طلبهم فقال بعد بيان عجز الانس والجن عن الاتيان بمثل هذا القرآن ، وما صرفه فيه للناس من جميع ضروب الأمثال ، ( 90 وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) الخ الآيات الأربع ثم لقن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الرد عليهم بقوله ( 93 قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا 94 وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا 95 قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ) أي سبح ربك في جوابهم ، تسبيح التعجب من قولهم ، وذكرهم بأنك بشر مثلهم ، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بالآيات الخارقة لسنن الكون ، وان آفتهم هي آفة من كان قبلهم من الأقوام الذين لم يعقلوا ما جاء به الرسل من الهدى وانه متى تبين وجب على العاقل اتباعه لذاته ، فاحتقروا الرسل الذين جاؤهم به لأنهم بشر مثلهم ، واقترحوا أن تجيئهم به الملائكة ، وانه لو كان في الأرض ملائكة يمشون فيها كالبشر يمكنهم التلقي عنهم لنزل عليهم ملكا ، ثم بين لهم انه إذا نزل الملك فهو لا ينزل إلا بالعذاب ، إلا أن يجعل بشرا ، وإذا لاحتجوا عليهم بأنه مثلهم ، كما قال في سورة الحجر حكاية لخطابهم للذي نزل عليه الذكر ( 15 : 7 لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 8 ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ